شارع النافورات

كان كلّما مشى مع فتاة جميلة سمِع عظام المدينة تُطقطق. التماثيل التي تقف على جنبات الأبواب، وتحمِل العمارات فوق ظهورها، تنظرُ إليه شذرًا. الأبواب التي لا تُشبه بعضها تُغريهما بالدخول إلى الدرج المُظلم، أين تقبعُ مصاعدٌ لم تصعد من قاعها منذ الاستقلال. أنابيب المياه الصدئة ترتعش في بطون الجدران، والصراصير تتبع خُطوَهُما من تحت الإسفلت.
كان كلّما خرج من عند أصحابه وانحدَرَ نزولاً مع شارع محمد الخامس، عكس سيرِ المركبات، ودخل النفق الجامعي، كان يولد من جديد خارجًا من ظلمة النفق، مع أفواج الطلبة الذين يركبون من الفوّهة حافلات تصعد وتنحدر، كبرتقالات ميكانيكية. يدُها في يدِه، يعبُران شارع باستور ويحكي لها عن رأس الغزالة المُحنّط في واجهة مطعم باستور قبل ن يجدّدوه.
خُطوُهما الخفيف مساء يوم الخميس يقطعُ الشوارع الخلفية جنب كنيسة القلب المقدّس. يتركُها للحارس العجوز، صار يعرفه، كل مرّة يأتي مع فتاة جديدة. يجلس هو كأنّه في السينما، فيما يبدأ الحارس جولته، الكنيسة التي بُنِيت على هيئة خيام البدو / المنمنمة في الخلفية والتي استرجعت من أطلال كاتدرائية عُمرها عشرة قرون في مدينة الأصنام بعد زلزال في الخمسينيات / الزجاج الملوّن الذي سقط في آخر زلزال / والطرق التي تؤدي كلّها إلى الله / ثم يأخذها إلى الزاوية الغربية جنب سلّة التبرّعات ويريها كيف يتشكّل القلب المُقدّس بين انحناءات السّقف والأعمدة / فتنبهِر.
لا يتركها لحالها، يُريها وجوه التماثيل غير المتشابهة على واجهات العمارات، نقش البنات والسيدات الإنجليزيات على ناصية شارع ابن الخطيب، يطلبُ منها قراءة ما كُتِبَ على عتبة المنزل الأزرق في حي تيليملي (BLUE BIRD). يضحكان على درج قصر الحكومة الذي يحرسه شرطيان ضجِران، درج لم يصعده أحدٌ منذ قرون، وليس في المدينة روكي بالبوا حتى يتدرّب عليه.
يهرب بها من غالريهات التصوير والرسم المُملّة، أين تتحسّر البورجوازية على المدينة الأوروبية التي ضاعت، ثم تسكَرُ وهي تُخطط كيف تُفرغ هذه المدينة من «الغاشي» لتجعل منها مُتحفًا ميتًا ومقاهٍ تبيع القهوة بمليون سنتيم للفنجان. قبل الغروب يأخذها إلى شارع النافورات ويقول لها أنصِتي لحفيف سعف النخيل الأخير في باحات المنازل العثمانية، أعطي فتات الخبز للقطط الكسولة وأنصتي إلى صخب حكايات الشيوعيين القدامى والشعراء المقتولين والرسّامين المنتحرين، الحكايات المُنبعثة من الطابق الرابع، وإلى أنفاس آخر الأوروبيين الذين لم يركبوا الباخرة بعد الاستقلال… ولا زالوا يغالبون الألف درجة لمدينة الجزائر للوصول إلى بيوتهم. 


صورة الشريط © حيدر ديوه چي