حوارات غير متّزنة

١

الشيب يغزو رأسي، أقول ذلك لكي لا تشعر أنك الوحيد هنا الذي يعاني من موضوع التقدّم في السن. كنت أعاني من مشكلة الشيب المبكر مذ كنت في الرابعة عشر «كنت قمر أربعطاش شايب». 
في العموم الشيب المبكر بالنسبة لي مجرد «علامة جودة» تحت شعار: أنا أحسّ، أنا موجود، إذن «أنا راسي شايب».
لقد حاول الكثير من الأشخاص طوال عشر سنوات اقناعي بموضوع تلوينه بالصبغات غير أني لم أفعل ذلك لأسباب شخصية. أنا أنتظر أن يُصبح شعري أبيضاً بالكامل كي أقوم بقصه.. هذا هو “اللوك” الذي أبحث عنه.

٢

كنت يومها أريد ان أكتب إليك ولكني اكتفيت بالتكلم معك داخل عقلي على دُفعات، أتحدث معك ثم أنام قليلا ثم أستيقظ كي أعيد التحدث إليك مجددا . 
إننا نعاني من أشياء مشتركة لهذا نتراسل ونتكلم، وأنا أعرف أيضا أنك تعاني أكثر مني.. إن هذا أمر واضح. ربما نختلف كثيرا في رؤيتنا للأمور المحيطة بنا غير أننا نتفاعل معها بالبؤس ذاته.

٣

يومها كان هناك طفل في الشارع يحاول مُعاكستي، قال لي بأسلوب مضحك «يا بنية يا سمحة»، كنت أضحك في الشارع ولكنني حين عدت إلى المنزل، وبعد قيلولة امتدت ساعة ونصف، استيقظت وأنا أدرك شيئا واحدا: أنا لم أحظى بمغازلة مبهجة كهذه طوال سنين حياتي رغم مرور الكثير من الرجال في حياتي باختلاف مُسمياتهم، وباختلاف ارتباطاتي بهم أيضا. 
حتى والدي كان يقوم بلَوْكِ اسمي حين أكون مُخطئة أو حين افعل شيئا لا يُحبه، كان يقول: «اصفيوة» ويبدأ بعدها مسلسل طويل من التأنيب والمجادلات المشحونة. وحتى حين يقول لي أخي الأصغر «اصفيّة» أخبره سريعا: «ع الورث ما نيش متنازلة راه».
كنت ولازلت أكره كل أولئك الذين يحاولون لَوك اسمي تدلُلاً لأنني أرى أنهم يبحثون عن تنازُلٍ ما ويطمحون دائما لتغيير رأيي. 
كنت أجادل دائما أن الدلال يُفسد الأخلاق حين يبدأ أحد ما في تدليلي، كنت أخاف الأوضاع السهلة وكنت أخاف الاعتياد عليها ولكنني كنتُ سهلة بالنسبة للكثيرين، كان بي نوعٌ من الحنان الذي لا أستطيعُ تفسيره، كان الحنان أيضا علامة جودة وكان أمره مُفسّرا من قبلي على النحو التالي: «كل الناس يعانون.. لا يجب أن أهِبهم معاناةً إضافية»، ولا أخفيك سرا أن هذه القاعدة كانت تجعلني أصبر أحيانا على أوضاع لا تحتمل الصبر أصلا رغم طبيعتي كإنسانٍ ثائر. 

٤

هناك شيء ما في ذواتنا لا يُفسر، وهناك شيء ما في ذاتي قد كُسر كليا ولم يعد صالحاً للترميم أو التعديل أو الكشط.

٥

كنتُ مثلية (لا أحد يعرف ذلك، لكن الكثيرين خمّنوا هذا الأمر عموما) وكنت حينها مولعةً بأشياء مُختلفة: الألوان الغامقة، القمصان الفضفاضة، والأحذية ذات الطابع البيْني. وكنت أتحاشى كل الأشخاص تقريبا باستثناء دائرة قليلة من المعارف. 
«لازالت تتصل بي كي تخبرني أنني نصفها الروحي، وأن نصفها الجسدي خارجٌ إلى العمل» . 

٦

كنت أحس دائما أن الأشياء غير موجودة او أنني قد اختلقتها داخل رأسي، كنت أحاول دائما أن أؤكد الأشياء عن طريق لمسها وشمّها وتذوّقها، كنت أفعل ذلك لأنني لا أثق بعينيّ أبدا، كان كل ما يأتي من عينيّ غير قابلٍ للتصديق، إن عينيّ مخادعتان ويجب عليّ فحص الأشياء أكثر عن طريق حواسي الأخرى.

٧

يومها فكّرت أن نلتقي ولكنني لم أجرؤ على طلب ذلك، ربما لا يجب أن أراك أصلا لأنني سأشعر بذاك العُريّ الروحي الذي لا أطيقه.

٨

كنت الشهر الفائت قد إلتقيتُ بها، كانت تتحلّق حولها مجموعة من الزميلات حين انسلّت من بينهن كي تُخبرني أن أنتظرها قليلا، انتظرتها لدقيقتين ثم جاءت لتخبرني ضاحكة أن احداهن أخبرتها أنني غريبة أطوار وأنها أجابتها بكلمتي «مش غير!». وكان ذلك في نظري بائسا وكنت أتساءل «منذ متى أصبحت غريبة أطوار؟» 

٩

«كان هناك عُنقٌ أحبه جداً، كان مذاقه يشبه عيدان قصب السّكر التي أحبها في صغري، صاحب هذا العنق أيضا أفلت يدي رغم أني لازلت أشدّ عليه بكلتا يديّ».

١٠

يوجد شيء غريب بي يجعل كل الأشياء تهربُ مني وهروب هذه الأشياء أقلّ إيلاما من تمسّكي بها غالبا، لهذا قررت أن أفلت كل شيء دفعة واحدة.

١١

كنت أخبرتك عن موت عمّي قبل مدة، وأظن أنني لازلت أعاني من تبعات موته حتى اللحظة. لازلت حين أدخل إلى منزله أسمع صوته وأحس بالموت يتسلل إلى باب غرفته المقفلة.. كان الموت أكثر الأشياء جدية، كان حقيقيا أكثر مما ينبغي.

١٢

اليوم اتصلت بي فيما كنت أُجهد نفسي في تعليم الإملاء لطفل صغير، وكان ذلك في نظرها لطيف جدا، ولكنني – بعد برهة صمت – أغلقت الهاتف وركنته في الزاوية دون أن أقول لها أي شيء.


صورة الشريط © حيدر ديوه چي